الحكيم الترمذي

59

أدب النفس

فمن هنا يصرع ، فهذا هو القلب المصروع ، والمأسور في يد هواها ، قلما خرج منه عمل من أعمال البرد ، ثم لم يصب الغرض ، فوقعت رميته يمينا وشمالا ، وربما خرج منه فلم يبلغ الغرض لضعف القوس ، وذلك أنه رمى عن قوس قد أصابتها الآفات والعلل . فكذلك آفة القلب الذي وصفنا ، ربما أردت برّا ، مال بقلبك الهوى إلى الشهوات يمينا وشمالا ، حتى تحيّد عن السبيل والسنة ، وربما جاوزت الغرض ، وربما ضعف قلبك ، فعملت بغير نية ، فلم يبلغ عملك إلى ربك ، كما قصرت الرمية عن الغرص . أفلا ترى كيف تعالج القوس ، وتحمى حتى تلين ، فإذا لانت سويت ، حتى يرجع البيت الأعلى إلى مكانه ، وإنما زال عن مكانه لأن البيت الأسفل لما قوى وصلب مدّ بالبيت الأعلى بفضل قوته ، فكذلك النفس لما قويت وصلبت شهواتها ، انتشرت وهاج هواها ، فأحرقت أنوار القلب ، والقلب هو رطب بالأنوار ؛ لأن النور هو من اللّه تعالى رحمة ، والرحمة باردة ، والقلب لين منقاد برطوبة تلك الأنوار .